بعد نحو ألفي عام على ثوران بركان فيزوف الذي دمّر مدينة بومبي الرومانية ودفنها تحت الصخور والرماد، يكشف علماء الآثار اليوم جانباً جديداً من «بومبي المفقودة» عبر تقنيات رقمية متقدمة تعيد رسم ملامح ما اندثر من المدينة.
ففي عام 79 ميلادية غطّى البركان المدينة بطبقة هائلة من الحمم والرماد، ما أجبر السكان على الهرب فيما قضى آخرون تحت الأنقاض. ومنذ بدء التنقيب عام 1748، ظهرت معالم الأبنية واللوحات الجدارية وأدوات الحياة اليومية، لكن أجزاء أخرى من العمارة الرومانية ظلت غائبة، خاصة الطوابق العلوية وبعض المنشآت التي محيت بمرور الزمن.
اليوم، يعتمد فريق من الباحثين على مزيج من التصوير الجوي والمسح ثلاثي الأبعاد وتقنيات LiDAR، إلى جانب الأدوات الأثرية التقليدية، لإعادة بناء ما اختفى من مكونات المدينة، بما في ذلك أبراج كانت رمزاً للثروة والمكانة، وقد تكون جزءاً أساسياً من خط الأفق القديم لبومبي.
سُلّم حجري يكشف أسراراً جديدة
قاد الفضول العلمي فريقاً بحثياً أثناء دراسة منزل فاخر Newly excavated Casa del Tiaso، حيث لفتهم وجود درج حجري ضخم يقود إلى طابق ثانٍ، مع آثار واضحة لدرج خشبي مفقود ربما كان يصل إلى طابق ثالث، وعند إعادة بناء الهيكل رقمياً، اتضح أنّ الجناح قد يكون برجاً قائماً داخل المنزل، وهو أمر لم يكن مألوفاً داخل المدن الرومانية التي عادةً بُنيت منازلها بشكل أفقي لا عمودي.
وتشير الدراسة إلى أن هذا البرج كان جزءاً من منزل يملكه على الأرجح أفراد من الطبقة الأرستقراطية، مزوّد بقاعات ولائم واسعة وحدائق داخلية وحمامات خاصة، ما يجعله واحداً من أرقى البيوت التي كُشف عنها في بومبي.
هل كانت أبراج بومبي حقيقة وليست خيالاً؟
لطالما ظهرت الأبراج في اللوحات الجدارية الرومانية وكُتب رحلات كتلك التي دوّنها «بليني الأصغر»، لكن الباحثين كانوا ينظرون إليها كتعبيرات فنية خيالية. أما الاكتشاف الجديد فيدعم فرضية أن هذه الأبراج كانت موجودة فعلاً داخل المدينة، وأن سكانها الأثرياء استخدموها للاحتفالات أو لمشاهدة النجوم أو لإظهار الهيبة الاجتماعية من ارتفاع يطلّ على الخليج.
ويرى خبراء آخرون أن فرضية الأبراج ليست بعيدة عن الواقع، رغم ندرة الأدلة الباقية، وأن المزيد من عمليات المسح الرقمي قد يكشف عن منازل أخرى مشابهة كانت طمستها الكارثة.
إعادة بناء التاريخ.. رقمياً
يعمل مشروع Pompeii Reset على توثيق المباني باستخدام الطائرات المسيّرة والتصوير متعدّد الزوايا لتكوين نسخة رقمية مطابقة تسمح بإعادة تركيب الأرضيات والأسقف والأدراج كما كانت قبل الانفجار. وتتيح هذه النماذج افتراض سيناريوهات معمارية دقيقة تُناقَش علمياً، ليُبنى عليها تصور أوضح لشكل المدينة القديمة وحياة سكانها.
ويؤكد الباحثون أن الهدف لا يقتصر على إعادة تخيّل الماضي، بل حماية ما تبقى من بومبي للأجيال المقبلة، باستخدام أدوات رقمية تساعد على مراقبة حالة الآثار وتحديد مواقع التدهور.
فحتى الآن جرى الكشف عن أكثر من 13 ألف غرفة من بومبي، فيما لا يزال ثلثها مدفوناً تحت الرماد، ويرى العلماء أن هذا الإرث، رغم دمار جزء كبير منه، يمثل فرصة فريدة لإحياء ملامح مدينة ازدهرت قبل أن يطويها البركان في لحظة واحدة.
التعليقات
سجّل الدخول لكتابة تعليق